ابو القاسم عبد الكريم القشيري

572

لطائف الإشارات

عن الطاعات أو يخلو ديوانه . وما بين الموت والقيامة : فإمّا راحات متّصلة ، أو آلام وآفات غير منفصلة . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 17 ] وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 ) الحقّ - سبحانه - لا يستتر عن رؤيته مدرك ، ولا تخفى عليه - من مخلوقاته - خافية . وإنما الحجب على أبصار الخلق وبصائرهم ؛ فالعادة جارية بأنه لا يخلق لنا الإدراك لما وراء الحجب . وكذلك إذا حلّت الغفلة القلوب استولى عليها الذهول ، وانسدّت بصائرها ، وانتفت فهومها وفوقنا حجب ظاهرة وباطنة ؛ ففي الظاهر السماوات حجب تحول بيننا وبين المنازل العالية ، وعلى القلوب أغشية وأغطية كالمنية والشهوة ، والإرادات الشاغلة ، والغفلات المتراكمة . أمّا المريدون فإذا أظلّتهم سحائب الفترة ، وسكن هيجان إرادتهم فذلك من الطرائق التي عليهم . وأما الزاهدون فإذا تحرّك بهم عرق الرغبة انفلّت « 1 » قوة زهدهم ، وضعفت دعائم صبرهم ، فيترخّصون بالجنوح إلى بعض التأويلات ، فتعود رغباتهم قليلا قليلا ، وتختلّ رتبة عزوفهم ، وتنهدّ دعائم زهدهم ، وبداية ذلك من الطرائق التي خلق فوقهم . وأما العارفون فربما تظلّهم في بعض أحايينهم وقفة في تصاعد سرّهم إلى ساحات الحقائق . فيصيرون موقفين ريثما يتفضّل الحقّ - سبحانه - عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذا ، ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق . وفي جميع هذا فإنّ الحقّ سبحانه غير غافل عن الخلق ، ولا تارك للعباد . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 18 ] وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 ) .

--> ( 1 ) انفلّ السيف - انثلم حدّه ، وانفلّ القوم - انهزموا .